في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول، يتراجع بعض الناس خطوة إلى الخلف. ليس لأنهم لا يحبون أوطانهم، بل لأنهم حاولوا من قبل ولم يروا التغيير الذي تمنوه، فتسلل إليهم الشعور بأن الجهد بلا جدوى.
لكن الحقيقة أن التاريخ يخبرنا بشيء مختلف: اللحظات التي يبدو فيها الطريق صعباً هي غالباً اللحظات التي يُعاد فيها تشكيل المستقبل.
سورية اليوم تعيش مرحلة نادرة في تاريخها. فليس من المعتاد أن تجد دولة نفسها أمام فرصة لإعادة بناء مؤسساتها من الأساس، وصياغة دستور جديد، ورسم شكل الدولة التي سترافق أجيالاً قادمة.
هذه اللحظة ليست مجرد حدث سياسي عابر، بل بداية مسار طويل يتحدد فيه مستقبل المجتمع كله. ولهذا فإن مشاركة كل صاحب خبرة أو معرفة أو قدرة ليست أمراً ثانوياً، بل ضرورة. لأن الغياب في مثل هذه المراحل يعني ترك الآخرين يقررون شكل الغد وحدهم.
الدولة التي يتطلع إليها السوريون ليست فكرة مجردة، بل صورة واضحة في أذهانهم: دولة قانون ومؤسسات حقيقية؛ مدارس تشجع أبناءنا على التفكير والإبداع، ومؤسسات صحية تعامل المرضى بإنسانية واحترام، وطرق آمنة يسير فيها الناس بلا خوف، وصوت انتخابي يشعر صاحبه بأن له قيمة وتأثيراً.
لكن بناء دولة كهذه لا يحدث تلقائياً، ولا يأتي بقرار واحد.
إنه عمل تراكمي يتشكل مع الوقت، ويشارك فيه الأفراد بجهودهم ومهاراتهم ومواقفهم. كل إنسان يمكن أن يكون جزءاً من هذا البناء، وكل مساهمة—وإن بدت صغيرة—تصبح مع الزمن جزءاً من الصورة الكبرى.
ومن المهم أيضاً تصحيح فهم شائع: دعم الدولة لا يعني القبول بكل ما يصدر عنها دون نقاش.
الانتماء الحقيقي لا يقوم على الطاعة العمياء أو التغاضي عن الأخطاء.
على العكس، قوة الدولة تنمو عندما يكون مواطنوها واعين وفاعلين.
فالمواطن يقف مع دولته عندما يطالب بمحاسبة الفاسدين، لأن الفساد يقوّض أي مشروع وطني من الداخل.
ويقف معها عندما يرفض الرشوة أو المحاباة، لأن النزاهة الفردية أساس لقيام مؤسسات سليمة.
كما يقف معها عندما ينتقد أداء المؤسسات بوعي واحترام، لأن الإصلاح لا يتحقق بالفوضى بل بالعمل على تصحيح الأخطاء مع الحفاظ على هيبة المؤسسة.
النقد المسؤول إذن ليس عداءً للدولة، بل تعبير عن الحرص عليها.
أما الصمت عن الخطأ بدافع الخوف أو اللامبالاة فهو ما يفتح الباب لتراكم المشكلات.
والإصلاح لا يشترط منصباً كبيراً
كثير من التغيير يبدأ من مواقع تبدو بسيطة لكنها مؤثرة.
يبدأ من طالب يشارك في الحياة الجامعية ويعبر عن رأيه، ومن موظف يلتزم بعمله بإخلاص ويعامل الناس بعدالة.
عندما يؤدي الإنسان مسؤوليته بضمير، ويمنح الآخرين حقهم دون تمييز، ويرفض الاستثناءات غير المستحقة، فإنه يساهم تدريجياً في تغيير ثقافة العمل داخل المؤسسة.
أما السوريون في الخارج فدورهم لا يقل أهمية. ما اكتسبوه من معرفة وتجربة خارج البلاد يمكن أن يكون رصيداً مهماً لوطنهم.
والأهم أن تبقى الصلة قائمة، لأن الأوطان تحتاج أبناءها أينما كانوا، ولأن فكرة العودة يوماً ما تبقى حاضرة لدى من يريد أن يكون جزءاً من إعادة البناء.
وكذلك المبدعون من كتّاب وفنانين ومصممين.
فالثقافة ليست ترفاً، بل هي الذاكرة والروح التي تحفظ هوية المجتمع. كلمة تُكتب، أو لوحة تُرسم، أو فكرة تُنشر قد تسهم في تشكيل الوعي وتثبيت صورة الوطن الذي نطمح إليه.
ما يُطلب من كل فرد ليس تغيير العالم دفعة واحدة.
أحياناً يكفي أن تبدأ بخطوة قريبة منك: أن تنضم إلى مبادرة اجتماعية في حيّك، أو تشارك في عمل تطوعي، أو حتى تفتح نقاشاً صادقاً مع من حولك حول شكل البلد الذي تريدونه.
فالدول لا تنهض فقط بقرارات كبرى، بل أيضاً بآلاف المبادرات الصغيرة التي يقوم بها مواطنون عاديون قرروا أن يكونوا جزءاً من الحل لا خارجه.
لقد عانت سورية طويلاً من غياب أشياء أساسية: غياب القانون، غياب الكرامة، ضعف المؤسسات، وتراجع دور المواطن في التأثير والمشاركة. واليوم ما يحتاجه الوطن أكثر من أي وقت مضى هو حضور أبنائه وإيمانهم بقدرتهم على صناعة مستقبل مختلف.
الدولة التي نحلم بها لن تتشكل في ليلة واحدة، لكنها ستُبنى تدريجياً بجهود صادقة من أبنائها.
ومستقبل سورية يُكتب الآن… فلا تكن غائباً.


